يتابع الموريتانيون باهتمام، مسار الانتخابات الرئاسية في فرنسا، عشية حسم السباق نحو الإليزيه، في الشوط الثاني من رئاسيات 2012، الذي يجري غدا (الأحد) بين الرئيس اليميني المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي، وغريمه اليساري، فرانسوا هولاند..
المعارضة الموريتاني تبدي اهتماما لافتا باقتراع 6 مايو في باريس، في ظل ارتياح كبير لتقدم مرشح الحزب الاشتراكي في استطلاعات الرأي؛ معتبرة أن ساركوزي حليف لنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وبالتالي سيكون من شأن خروجه من الإليزيه أن يجعل باريس تراجع موقفها تجاه النظام الحاكم في موريتانيا.. أوساط في حزب اتحاد قوى التقدم المعارض في موريتانيا تؤكد على الصلات "التاريخية" بين اليسار الفرنسي واليسار في إفريقيا عموما، وفي موريتانيا على وجه الخصوص؛ معتبرة أن الشريك السياسي الموريتاني الأمثل أمام الاشتراكيين ـ في حال وصلوا مجددا إلى الإليزيه ـ سيكون، بطبيعة الحال، اليسار الموريتاني. من جانبها ترى أوساط في حزب تكتل القوى الديمقراطية الموريتاني المعارض، أن زعيم الحزب، احمد ولد داداه، يحظى بعلاقات وثيقة جدا داخل قيادات الحزب الاشتراكي الفرنسي، الأكثر حظا في الوصول إلى السلطة وفق استطلاعات الرأي؛ وبالتالي، ترى تلك الأوساط أن خروج ساركوزي من السلطة قد يشكل غصابة عصفورين بحجر واحد؛ فمن جهة يزيح "مظلة حماية" نظام ولد عبد العزيز؛ ومن جهة أخرى يأتي برئيس فرنسي صديق، وربما "حليف" لخصوم هذا النظام..
وترى أوساط أخرى في الأغلبية أن وصول هولاند للسلطة لن يغير من الأمر شيئا، إذ أن فرنسا محكومة بمصالحها الإستراتيجية التي لاتعير كبير اهتمام لانتماء الرئيس لليمين أو لليسار.. حين خرجت فرنسا من موريتانيا عام 1960، بمنحها الاستقلال، حرصت على أن تترك السلطة بيد رئيس تأتمنه على مصالحها في هذه المستعمرة الإفريقية السابقة؛ وقد اختارت لذلك، الرئيس الراحل المختار ولد داداه الذي ظلت تدعمه وتحميه دوليا وإقليميا.. غير أن قرار ولد داداه تأميم مناجم الحديد والخروج من منطقة الفرنك الإفريقي، وانتهاج سياسة التعريب في النظام التربوي، ولد مخاوف لدى "حلفائه" الأقوياء، وكلهم من اليمين الفرنسي، بدء من ديغول وانتهاء بجسكار ديستان.. مخاوف ظلت دون سقف "التمرد"، خاصة وأن ولد داداه دخل في حلف مع العاهل المغربي الراحل، الملك الحسن الثاني، ضد الزعيم الجزائري "المارق" هواري بومدين. وتطور الأمر إلى حرب ضروس حول إقليم الصحراء الغربية، ظهر أن موريتانيا كانت الحلقة الأضعف فيه، مما اضطر الرئيس الفرنسي اليميني، ديستان، إلى إرسال طائرات مقاتلة فرنسية لإسناد الجيش الموريتاني ضد هجمات مقاتلي جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر؛ خاصة بعد أن تمكنت الجبهة من خطف مهندسين فرنسيين من مدينة الزويرات المنجمية بشمال موريتانيا، في ديسمبر 1977.. غضت باريس، في عهد ديستان اليميني، الطرف عن تحرك قادة الجيش الموريتاني للإطاحة بولد داداه في يوليو 1978.. غير أن جسكار ديستان طالب حكام نواكشوط العسكريين ـ في عهد محمد خونا ولد هيداله ـ بضرورة الإفراج عن الرئيس المخلوع، على أن ينتقل للإقامة في فرنسا.. كان ولد هيدالة، خارجا لتوه من توقيع اتفاق سلام مع البوليساريو، معلنا انسحاب موريتانيا من الجزء الجنوبي من الصحراء الغربية؛ مما أغضب الحسن الثاني فبدأ يعد لمعاقبته.. ومن هنا لم يفوت الرجل فرصة طلب ديستان إطلاق سراح ولد داداه، فقبل، لكن بشرط إعلان باريس ـ رسميا ـ تحذير أي دولة من مغبة الاعتداء على الحوزة الترابية لموريتانيا؛ وبذلك حصل على التزام صريح من باريس بدعمه ضد أي هجوم مغربي محتمل.
في مطلع الثمانينات تولى فرانسوا ميتران، من اليسار، رئاسة فرنسا ودشن سياسة جديدة في إفريقيا تقوم عل "حق التدخل الإنساني" و حماية مصالح فرنسا "بكل الوسائل المتاحة". لم يرض ميتران عن توجهات ولد هيدالة "الثورية" ذات الميول الإسلامية؛ خاصة إعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية، وتقربه من أنظمة "مغضوب عليها" فرنسيا، مثل الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد ورئيس بوركينا فاسو الراحل، توماس سنكارا.. ونجحت فرنسا ـ في ظل حكم الاشتراكيين ـ في إزاحة نظام ولد هيدالة عبر تدبير ودعم انقلاب عسكري ضده في ديسمبر 1984، ثم إزاحة سنكارا عبر تأليب أقرب مقربيه على قتله والاستيلاء على السلطة من بعده.. نفذ حاكم موريتانيا الجديد، العقيد معاوي ولد الطايع ـ حرفيا ـ "خارطة الطريق" التي رسمتها له باريس، فارتمى في أحضان مؤسسات التمويل الدولية، وشرع في تقديم جرعات محلية من الديمقراطية تمثلت في تنظيم انتخابات بلدية على مستوى عواصم الولايات سن 1986، ثم في عواصم المقاطعات سنة 1987، وأخيرا على مستوى الأرياف عام 1988.. بيد أن نظام ولد الطايع واجه ـ في أكتوبر 1987 ـ محاولة انقلاب دبرها ضباط من الأقلية الزنجية، تمت مواجهتهم بشدة من خلال إعدام ثلاثة من قادة تلك المحاولة؛ ثم شن النظام حمل تصفية واسع في صفوف العسكريين الزنوج؛ تلتها أزمة بين موريتانيا والسنغال تخللتها مواجهات دامية في صفوف رعا كلا البلدين في البلد الآخر؛ الأمر الذي جعل حكام فرنسا الاشتراكيين في حرج من اتخاذ موقف محايد بين نظام عسكري هم من أتوا به إلى السلطة في نواكشوط، وبين نظام ديمقراطي يقوده حزب اشتراكي ـ مثلهم ـ ظل حليفا طيعا لباريس في السنغال منذ استقلالها.. أدرك ولد الطايع أن خيار فرنسا محسوم لصالح عبدو ضيوف، فأمم وجهه شطر العراق الذي سارع زعيمه صدام حسين، الذي يحمل شعار حماية القومية العربية "من المحيط إلى الخليج" إلى إعلان دعمه لـ "بوابة الوطن العربي" الغربية فوجد لديه السلاح بما يكفي لحمل دكار ومظلتها الفرنسية على البحث عن تسوية سلمية مع نواكشوط.. وفي نهاية الثمانينات، أوعز الاشتراكيون في فرنسا إلى حلفائهم من حكام إفريقيا العسكريين بضرورة التحول إلى أنظمة ديمقراطية، لكنهم ارتضوا بأن تكون تلك الديمقراطيات الجديدة شكلية بالدرجة الأولى، وهو ما نفذه ولد الطايع بالحرف من خلال خلع بزته العسكرية والترشح لخلافة نفسه رئيسا منتخبا للجمهورية في موريتانيا.. اتسعت الهوة بين ولد الطايع وميتران حين تخندق الأول في المعسكر العربي الداعم للعراق في احتلاله لدولة الكويت، ومواجهة التحالف الدولي الذي دخله ميتران بقوة..
انتهت حرب الخليج بهزيمة حلفاء صدام حسين وانتصار "قوات التحالف" التي كانت السنغال تشارك بجنود فيها؛ ووجد ولد الطايع نفسه في مأزق حقيقي؛ استطاع الخروج منه بسرعة عبر فتح قنوات اتصال غير مباشرة بإسرائيل لضمان الدخول تحت المظلة الأمريكية. وفي غضون ذلك انتخب جاك شيراك، اليميني، رئيسا لفرنسا وبدا حريصا على إعادة نواكشوط للحظيرة الفرنسية في إفريقيا، إلا أن مسار التقارب بين نواكشو وواشنطن دخل مراحل متقدم يصعب الرجوع عنها، حيث تم الإعلان عن تبادل مكاتب لرعاية المصالح بين موريتانيا وإسرائيل، ثم رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين نواكشوط وتل آبيب إلى مستوى السفراء. واجهت باريس "مروق" ولد الطايع بتوقيف ضابط موريتاني متدرب لديها على خلفية عمليات تصفية عرقية ضد الزنوج، لتدخل علاقات البلدين نفقا مظلما ومسدودا.. تعاملت نواكشوط مع القضية بحزم من خلال طرد كل المتعاونين العسكريين الفرنسيين في موريتانيا، وتحويل ضباطها المتدربين في المعاهد والكليات الحربية الفرنسية إلى دول عربية.. وبفضل تقدم التطبيع مع إسرائيل، وسعي شيراك لاستعادة حليف استراتيجي في المنطقة، تم تهريب النقيب اعل ولد الداه إلى موريتانيا وإنهاء الأزمة بإرضاء ولد لطايع.. وقد زار جاك شيراك موريتانيا في سبتمبر 1997 لإحياء الذكرى الأربعين للخطاب الذي ألقاه الجنرال ديغول في حفل وضع حجر الأساس لبناء العاصمة الموريتانية عام 1957.. في أغسطس 2005، أطيح بالرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في انقلاب عسكري لم تدنه باريس، التي اكتفت بدعوة الانقلابيين إلى الالتزام بتنظيم مرحلة انتقالية يتم في أعقابها تسليم السلطة لرئيس منتخب ديمقراطيا؛ ورأت فرنسا في الرئيس الانتقالي الجديد، العقيد اعل ولد محمد فال، حليفا أفضل من سلفه.. وفي مارس 2007 انتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله رئيسا لموريتانيا في اقتراع أجمع العالم على وصفه بالشفاف والنزيه، لكن فرنسا كانت ـ حينها ـ في أوج الصراع بين اليمين واليسار على الإليزيه بعد أن انتهت مأموريتا شيراك في السلطة؛ وفاز نيكولا ساركوزي (اليمين) على سيغولين رويال (اليسار) لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الموريتانية ـ الفرنسية.. بدا واضحا ـ منذ الوهلة الأولى ـ أن ولد الشيخ عبد الله ليس رجل فرنسا المطلوب لموريتانيا.. ألقى ساركوزي خطابا مطولا بمناسبة توليه رئاسة فرنسا، تطرق فيه للعلاقات بين باريس وإفريقيا؛ مؤكدا أن تلك العلاقات ستكون ـ من الآن ـ محكومة بمدى تطبيق البلدان الإفريقية، عمليا، للديمقراطية الحقيقية والحكامة الراشدة. بيد أن ساركوزي فاجأ الرأي العام في موريتانيا، وحتى في العديد من البلدان الإفريقية ـ باختياره الغابون أول محطة يزورها في القارة السمراء، ثم السنغال، فالكاميرون ومالي وبوركينا فاسو.. وفي ثاني جولة إفريقية له، زار شيراك الجزائر والمغرب وتونس، وحتى ليبيا؛ لكن لم تطأ قدماه أرض موريتانيا، رغم أنها البلد الوحيد بين كل تلك البلدان الذي ما زال يعيش أولى أشهر تجربته الديمقراطي التي نالت إعجاب وتزكية المجتمع الدولي بأسره.. حاول ولد الشيخ عبد الله تدارك هذا الوضع من خلال زيارة فرنسا، لكنه أمضى يومين في باريس قبل أن يدخل الإليزيه ويستقبله ساركوزي..
واتضح ـ بعد الإطاحة بولد لشيخ عبد الله في انقلاب عسكري أدانه العالم بأسره ـ أن باريس ما تزال تبحث عن "رجلها الفعلي" في نواكشوط، ولذلك نجحت في تمرير انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز، عبر تحريك وساطة أوكلت القيام بها للرئيس السنغالي عبد الله واد، واستقبل ولد عبد العزيز ـ بعد تحوله إلى رئيس منتخب ـ بحفاوة في الإليزيه، وعاد الدفء للعلاقات التاريخية بين باريس ونواكشوط.. في انتظار ما قد يسفر عنه اقتراع يوم غد (الأحد)، والذي ترجح استطلاعات الرأي أن ينبثق عنه فوز فرانسوا هولاند ليكون ثاني رئيس يساري لفرنسا في تاريخ الجمهورية الخامسة.. نقلا عن موقع "ريم مديا "